الدولار الأمريكي وسعر الفائدة والتأثيرات العالمية والإقليمية

Print Friendly, PDF & Email

بقلم: عدنان أحمد يوسف

الأحد ١٨ فبراير ٢٠١٨ – 01:30

  بعد سلسلة من الخسائر امتدت على مدى سبعة أسابيع -هي الفترة ألأطول على مدى 13 عامًا- سجل الدولار ارتفاعًا قويا أمام نظرائه من العملات الرئيسية بعد إعلان بيانات الوظائف للاقتصاد الأمريكي والتي جاءت أقوى بكثير مما كان متوقعا، ما يعطي مؤشرا قويا على تحسن أداء الاقتصاد الأمريكي. وإذا ما تواصل هذا التحسن وقيام الاحتياطي الفيدرالي بزيادة سعر الفائدة فإن ذلك سوف يعزز من مكانة الدولار في الأسواق العالمية خلال معظم أشهر هذا العام. وهذا يقودنا إلى التساؤل حول انعكاسات هذه الارتفاعات المتوقعة على الاقتصادات العربية والعالمية، وكذلك تأثيراتها على الأوضاع المصرفية.

لكن قبل الإجابة عن هذا التساؤلات نريد أن نوضح أولا لماذا الاهتمام بتحركات الدولار خاصة في الأسواق العالمية من دون بقية العملات الأخرى؟ ونجيب بأن سبب هذا الاهتمام هو لما للدولار الأمريكي من أهمية كبيرة في التجارة العالمية؛ إذ يمثل عملة أكبر اقتصادات العالم، كما تربط عديد من الدول عملاتها بالدولار أو بسلة عملات يمثل الدولار فيها وزنًا نسبيًّا كبيرًا، كما أن الدولار يقوم بدور عملة الاحتياطي العالمي حيث يستحوذ على ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، ويتم سداد أكثر من نصف قيمة صادرات العالم بالدولار الأمريكي، إذ تسعر كل دول منظمة أوبك نفطها بالدولار، ولذلك فإن أي اضطراب في سعر الدولار يؤثر على أسعار تلك السلع، وعلى تقييم العملات الأخرى مقابل الدولار، كما يُستخدم الدولار في نحو 90% من العقود التجارية على مستوى العالم؛ أي ما يقدر بنحو 5 تريليونات دولار يوميا، ويستخدم 2 تريليون دولار في معاملات أسواق الصرف الأجنبي يوميا، كما يدخل في تعاملات البورصات المالية العالمية بكثافة قدرها 87% من التعاملات. وتقدر نسبة الاحتياطي النقدي بالدولار في البنوك المركزية العالمية بما يزيد على 62%.

وعلى ضوء هذه الحقائق، يصبح من الطبيعي أن يكون لارتفاع الدولار الأمريكي تأثير متعدد الوجوه على كل اقتصادات العالم تقريبا؛ فنرى بالنسبة إلى الدول التي لديها ثروات طبيعية كالنفط والغاز كدول الخليج العربي وغيرها أن مبيعاتها تتم بالدولار، وستكون الفوائد في هذه الحالة أكثر من المضار، حيث سترتفع القيمة الحقيقية لصادراتها من البترول من جهة ومن جهة أخرى ستنخفض قيمة وارداتها، وخصوصًا عندما تستورد معظم وارداتها باليورو واليوان والين من دول آسيا وأوروبا وليس من أمريكا. لذا؛ ستنخفض قيمة الواردات ويتحسن ميزانها التجاري لأن قوة الدولار سيقابلها ضعف اليورو واليوان والعملات الآسيوية، فضلا أن الدول النفطية وبالأخص الخليجية لها استثمارات كبيرة في سندات الخزانة الأمريكية، وبالتالي ستحقق عوائد مرتفعة مع ارتفاع الفائدة على الدولار.

لكن في المقابل سوف يؤدي ارتفاع سعر الفائدة إلى رفع سعر الفائدة المحلية في دول الخليج العربي نتيجة ربط عملاتها بالدولار الأمريكي، ما يعني رفع كلفة الاقتراض المحلي، وبالتالي ارتفاع كلفة الاستثمار وهو ما قد يؤثر سلبا على حجم التوظيفات في الاقتصاد.

أما بالنسبة إلى الدول العربية غير النفطية، فإن قوة الدولار ستنعكس سلبًا على اقتصاداتها، بسبب حاجتها الماسة إلى الدولار الرخيص لاستيراد السلع والخدمات من الخارج بالدولار فتزيد بالتالي فاتورة وارداتها، كما هو حاصل في مصر والسودان والمغرب والأردن وعديد من الدول العربية. ويعني أيضًا بالنسبة إلى الدول التي اقترضت بالدولار أن قيمة تلك القروض ارتفعت عمّا كانت عليه سابقًا.

وبالنسبة إلى الدول النامية كتركيا والبرازيل والتي تعتمد على الاستثمارات الأجنبية ووجود الدولار فيها فإن ارتفاع سعر الفائدة يعني ارتفاع ريع سندات الخزانة الأمريكية وزيادة جاذبيتها بالنسبة إلى المستثمرين الأجانب، وبالتالي نزوح المستثمرين الأجانب من تلك الدول إلى أمريكا للاستثمار في سندات الخزانة الأمريكية.

أما فيما يخص تأثير ارتفاع الدولار على الأوضاع المصرفية في المنطقة، فنحن نلاحظ أولا أنه بمجرد إعلان الفيدرالي الأمريكي أي رفع لسعر الفائدة تقوم البنوك المركزية الخليجية التي ترتبط عملاتها بالدولار الأمريكي بخطوة مماثلة نظرًا إلى هذا الارتباط.

وعند تقييم تأثير قرار رفع سعر الفائدة الأمريكية على البنوك العربية لا بد من التمييز بين نوعين من القروض: القروض المقسطة الطويلة الأمد والقروض الاستهلاكية التي بمعظمها قصيرة الأمد. فالقروض الطويلة الأمد التي تخضع لفائدة عائمة ستتأثر بارتفاع الفائدة التي ستنعكس عليها عند استحقاق موعد مراجعة القرض، على عكس القروض الاستهلاكية التي تخضع في معظم الأحيان لفائدة ثابتة، ما يعني أن القروض الممنوحة مسبقا لن تتأثر بقرار رفع سعر الفائدة، ليلحق التأثير القروض الجديدة فقط. كذلك الأمر على الإيداع، بحيث تتأثر الإيداعات الجديدة بتأثير رفع الفائدة، أي أن الفرد سيحصل على فائدة أعلى على الودائع الجديدة. في حين تبقى الفائدة من دون تغيير على حسابات الإيداع المسبقة إلى حين موعد استحقاقها.

كما أن ارتفاع سعر الفائدة سوف يكون له انعكاسات سلبية على الاستثمار في البورصات في ظل منافسة سعر الفائدة على الودائع مع عائد الاستثمار في البورصات والتي تحمل مخاطر عديدة. بينما بالمقابل سوف يمثل قرار رفع سعر الفائدة والارتفاع القياسي لسعر صرف الدولار تحديا أمام قيام دول المنطقة بإصدار السندات والصكوك الدولارية في الأسواق العالمية لسد العجز في ميزانياتها، حيث سترتفع الكلفة الفعلية لهذه الإصدارات.

لكننا يجب أن ننوه أخيرا أنه بالنسبة إلى البلدان العربية التي لا تربط عملاتها بالدولار الأمريكي فإن حجم تأثير ارتفاع الدولار على اقتصاداتها سوف يرتبط أيضا بمتانة أداء هذه الاقتصادات؛ فدول مثل مصر والأردن والمغرب وعدد آخر من الدول العربية يتوقع أن تشهد اقتصاداتها تحسنا كبيرا خلال هذا العام، وهو ما يعزز وضع عملاتها أمام الدولار الأمريكي.

Leave a Reply